[ Home ]

 

Family
...................................................

   
 

   
 

تشاء الأقدار  -  يا أمّي  - أن آتي إلى هذه الدنيا ، فأرى أول ما أرى وجها جميلا تزيّنه عينان تفيضان حباً وحنانا ، وأسمع أول ما أسمع صوتا حنونا هادئا يغنّي لي في ليالي القرية المظلمة ، فيبعث السكينة في نفسي وأغفو على صدر دافئ تضمّني إليه برفق يدان ناعمتان . هكذا عرفتك  -  يا أمّي  - ولا أزال .

تشاء الأقدار - يا أمّي - أن انطلق من أحضانك فتى يافعا أتنقل في بقاع الأرض ، تارة طالباً للعلم وتارة أخرى ساعياً في طلب الرزق الحلال ، بكل ما يصاحب هذا التجوال من معاناة ولوعة الغربة ، لأعود إليك بين الحين والآخر زائراً لأيام أو أسابيع أسعد بلحظات اللقاء عندما تضمّيني إلى أحضانك قائلة " أهلين بالحبيب الغالي " فأجيبك " ابن الحبيبة الغالية "  ، وأشقى بلحظات الفراق عندما تقولي ، وقد أدرت وجهك جانباً تخفين عني دمعة حرّى في عينيك " أنا أوكلتك إلى الله " !!!

تشاء الأقدار - يا أمّي - أن تعيشي السنوات الأخيرة من عمرك طريحة الفراش ، جسداً تكالبت عليه الأمراض ، فأنهكته دون أن تنال من روحك وعزيمتك ، ولا أكون بجانبك على الدوام أرعاك في كبرك كما رعيتني في صغري وشبابي ، وأخفّف من آلامك على شدّتها كما سهرت على أوجاعي على خفّتها .

تشاء الأقدار - يا أمّي- أن يشتدّ عليك المرض في الأيام الأخيرة ، فيسبقني إليك ملك الموت وتصعد روحك الطاهرة إلى خالقها ، ولا أكون بجانبك اقبّل اليـد التي لا تتحرّك حباً وامتناناً وعرفاناً ، ولتطوّقي عنقي باليد الأخرى ، تجذبين رأسي برفق نحو وجهك لتطبعي قبلة على جبيني أو خـدّي حباً وحناناً ورضاً .

تشاء الأقدار - يا أمّي - أن تسيري الأمتار الأخيرة في هـذه الحياة الدنيا محمولة على أكتاف الخيّرين من المشيّعين إلى مثواك الأخير ، ولا أكون بينهم أشاركهم إكرام وداعك والفوز بثواب الرحمن .

تشاء الأقدار - يا أمّي - أن يوارى جسدك الطاهر بالتراب على أصوات المهلّلين والمكبّرين ، ولا أكون معهم أهلّل كما يهلّلون وأكبّر كما يكبّرون ،  وأترحّم عليك كما يترحّمون .

تشاء الأقدار - يا أمّي - أن يجف الدمع في عيوني على غير عادتي عندما أفقد عزيزا غاليا - ومن هو أعزّ وأغلى منك يا أمّي - فكأنّه لا يريد أن ينزل إلا على تراب قبرك ؛ يرطّبه ، فيبرّده ، فتستريحين وتسعد روحك في الأعالي .

تشاء الأقدار - يا أمّي - أن أكتب رثائك ويكون وداعي لك على الأوراق في يوم عيدك ، ومن بعيد .

 يـــا لقســوة الأقــدار ، فأيّ وداع  هــذا ؟

مقصّر أنا - يا أمّي- فسامحيني.وحتّى لو شاءت تلك الأقدار بأحسن مما شاءت لي ، سأبقى مقصّراً - يا أمّي - ، ولكنّي أعرف أن قلبك كبير ولا يعرف إلاّ الحبّ ؛ والمحبّ مثلك - يا أمي - يسامح ويصفح عن زلاّت حبيبه .

تشاء الأقدار  -  يا أمّي - أن أعزّى فيك ، فيشاركني الأحبّة والأصدقاء مصابي بفقدك ويقدّمون لي تعازيهم القلبية ، هنا وهناك ، ممّا كان له أطيب الأثر في نفسي ، وألهمني بعضاً من الصبر والسلوان .  

ولكن عزائي الحقيقي- يا أمّي - أني سأذكرك ما حييت ، وستبقى ذكراك العطرة حيّة في عقلي ووجداني؛ فجسدي من جسدك ، وروحي من روحك ، وحتى إ سمي من إ سمك . وسأظلّ أدعو لك المولى عزّ وجلّ بالمغفرة والرّحمة ، إنّه هو الغفّار الرّحيم .

وداعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا يـــا أُمِّــيْ

ابنـك/رفيق عمر

   
       
       
 
 
 
 

 Personal Information : Academic Qualifications : Work Experience : Scientific Research :
Teaching : Training Seminars : Consultations : Interests : Other Activities : News And Events : Photo Gallery